19 تموز/يوليو 2018
RSS Facebook Twitter Linkedin Digg Yahoo Delicious
الجمعة, 23 آذار/مارس 2018 07:32

مستويات السيرة والمتخيل في رواية الست زبيدة للروائية نوال حلاوة .. بقلم /احمد الغماز

Rate this item
(0 votes)
 
غالبا ما تكون الرواية الاولى ، هي بمثابة سيرة ذاتية لمؤلفها ، أو تشتبك معه بالضرورة ، لماذا ؟ لان داخل كل منا حكاية ، سواء أكان الراوي كاتبا أم شخص عادي يسرد تفاصيل ما بجعبته للناس ، ويحكيها شفاهة ، والروائي أيضا هو شخص يرتفع عن الواقع قليلا ويصيغ حكايته بأسلوب فني يمثل المتخيل والواقعي معا
من هنا نستطيع القول : بأن الروائية الفلسطينية نوال حلاوة ، المقييمة في مونتريال كندا ، جاءت روايتها ( الست زبيدة ) ما بين اغترابين ، الاغتراب الأول وهو لحظة خروجها بفعل نكبة فلسطين ، والاغتراب الثاني هو اقامتها وتنقلها في بلاد كثيرة ، مما أسس لديها هاجساً قوياً لتكتب يافا والقرى المحيطة بها والبحر الذي أحبته كثيراً ولم تستطع الابتعاد عنه حتى في المتخيل .
ترى لماذا اختارت نوال ذلك العنوان المؤلف من اسم مركب ( الست زبيدة ) هل لذلك الاسم دلالة ما ؟ وهل جاء اختيار الكاتبة لتبعث رسالة مشفرة للقارىء وتجعله في حيرة من أمره عن جدوى ذلك الاسم ؟ هل ستضعه امام اسئلة كثيرة ، قبل الولوج لعالم الرواية وقرائتها بأنه أمام رواية تاريخية مثلاً ؟ اسئلة كثيرة تكونت حول هذا العنوان ، ولماذا هذا الاسم تحديداً ، من المتعارف عليه _ نقدياً _ بأن العنوان هو عتبة النص ، أو هو المفتاح الذي سيفتح تلك الابواب المغلقة ، اذن النص مغلق والمفتاح هو العنوان وبدونه لن يستطيع القارىء تكوين تلك الفكرة عن ما هية النص ، لنتخيل أننا أمام نصا ابداعيا بدون عنوان ، ستكون النتيجة مرتبكة من قارىء لآخر حول فهمه للنص ، اذن لا بد لنا من العودة قليلاً للتاريخ .
السيدة زبيدة ، ابنة عم الخليفة العباسي هارون الرشيد وزوجته ، الذي ملأ الدنيا بالتنوير والعلم والأداب والفن والموسيقى ، هي ابنة خليفة ايضاً ، كانت على قدرٍ كبير من الجمال والذكاء ويقال بأنها كانت شاعرة وناقدة أيضاً حيث كانت تعرف الشعر الضعيف من الشعر الجيد ، عاشت في قصور ابيها وزوجها كأميرة عباسية
ترى لماذا عدت الان _ بموجز بسيط _ لسيرة تلك الأميرة ؟ هل هو العنوان الذي دفعني للمقاربة بين السيدة زبيدة الأميرة والست زبيدة اللاجئة في رواية نوال حلاوة ؟ نعم هو ذلك ، تريد نوال هنا أن تجذب القارىء بمكر روائي وتوصل له فكرتها الاولى بان اللاجئة هي ايضاً كانت اميرة في يافا ، مقابل البحر والتعليم وعراقة تلك المدينة وقراها وطريقة معيشتها بكامل تفاصيلها ، لذلك لم يأتِ العنوان عبثاً وانما كما أشرت سابقاً بأنه ذات دلالة مهمة .
تعددت الاصوات الروائية كثيراً ، الأب الذي عمل بائعا متجولا في طفولته للكعك للمصلين في المسجد ، حيث كانت والدته بعد فقد زوجها تصنعه ، وذلك اتقاء لذل الحاجة ، سيرته التي حكاها هو شخصيا ولم تقم الراوية الاساسية الست زبيدة بالحديث نيابة عنه ، بل حكاها بتفاصيل دقيقة ، منذ حلمه الاول بالسيدة زبيدة وتسميته ابنته على اسمها في ذات الليلة التي ولدت بها ، حبه الشديد لابنته الصغيرة وتدليلها والتفاؤل بها في تجارته اللاحقة التي كبرت ، صوت الام الذي جاء على استحياء منذ زواجها وهي ما تزال على ابواب الطفولة ، العمة التي فقدت ابنها ذات حادث مؤسف وهو يركب الخيل وظلت تلك المأساة تلاحقها حتى عند وفاتها ، تدفقت اصوات الشخصيات كثيرا لتحكي ذاتها وتلتقي بالنهاية مع الراوية الرئيسية حيث بقيت خيوط الشخصيات بيدها ولم تفلت منها الحكاية الرئيسة ، وهذا يسجل للروائية بأنها حافظت على جوهر الحكاية الأولى ( اللجوء ) رغم تعدد الحكايات ولكن بقيت ضمن سياق واحد
يافا ، الهاجس الاول ، اللحن الحزين في الرواية ، هنا يتبادر السؤال الكبير ، هل كتبت نوال كل تلك التفاصيل الدقيقة ، مدرستها الابتدائية ، معلماتها ، حياتهن ، واجباتها المدرسية ، حقيبتها ، دفاترها واقلام الرصاص ، فقط لتكتب سيرة ذاتية ؟ وهل تدفقت كل تلك الذاكرة المشحونة بالأسى حين كانت تذكر البحر الذي تعشقه ومحاولاتها الاولى للغوص في مياهه والسير على الشاطىء ومشاهدة مراكب الصيد الغافية على رماله ، أو المبحرة في وسطه ؟ هل ذكرت مواسم رمضان والعيد واصناف الطعام والحلويات المختلفة بكل تلك الدقة ، من طريقة عجين الكعك مثلا الى نضوجه وكيف كانت الجارات تتعاون مع بعضها لانجازه بطريقة احتفالية ، ملابس العيد أيضاً واختيارها للالوان التي تحبها ؟ وصف شوارع يافا وأحيائها وأسماء عائلاتها الحقيقية بدون رمز أو تورية _ برأيي أن الحدث والاسم المعروف عند القارىء ، لا يجدر بالكاتب ان يذهب للرمز ليقوله _
هل جاء كل ذلك فقط لتوثق سيرة مدينة ؟، لو فعلت نوال ذلك للتوثيق فسنحكم على روايتها انها سيرة ذاتية فقط أو مذكرات لا ترقى للصنف الروائي ، لكنها فعلت العكس ، أبقت كل تلك الحكايات الواقعية ومزجتها _ كما قلت سابقا _ بشيء من الجمال الفني والمتخيل لتحقيق هدف واحد فقط لا ثاني له ، وكأنها تريد أن توصل للقارىء ما مفاده بأني انا اللاجئة وهذه قصة مدينتي المسروقة.
 
Last modified on الجمعة, 23 آذار/مارس 2018 16:55

الاعداد الكاملة